تخيل لحظةٌ خاطفة يسودها الذهول، تنفصل فيها الحبة الصغيرة عن غصنها الأم، لتهوي نحو الأرض. تبدو اللقطة للناظر السطحي وكأنها مأساة صغيرة، أو نهاية حزينة لشيءٍ كان حياً ومحميّاً في الأعالي.
تسقط البذرة في عمق التراب، ويُغطّيها الظلام، وتغيب عن الأبصار... فهل كانت تلك جولة الموت والأفول؟
أم أن الكون، بحكمته البالغة، يمارس خدعته الكبرى ليكتب بداية أسطورة جديدة؟
رحلة في أعماق الظلمة
في أعماق الأرض، لا تملك البذرة سوى الظلام والسكون. يثقل عليها الطين، وتضغط عليها طبقات الأرض. لو كان للبذرة عقلٌ يفكر، لظنت أن هذا الضغط القاسي هو صكّ إعدامها. لكنّ السرّ يكمن في أن "الدفن" لم يكن محواً للأثر، بل كان "غرسًا" في رحم الحياة.
كما قال جلال الدين الرمي :
لا تحسبنَّ سقوط البذرة في التراب موتاً، إنما هو سرّها الدفين لكي تتشقق وتتحدى الصخر وتصبح شجرةً تجابه الرياح.
ألا ترى تتحمل البذرة الرطوبة والضغط، تبكي من الداخل حتى تتشقق قشرتها الصلبة. تشقق القشرة ليس انكساراً هزيلًا، بل هو انفجار الحياة الأولى التي تجرأت على شق طريقها نحو الأعلى.
تلك البذرة الساقطة تتلقى أمرًا كونيًا لا يرد. إنها ليست وحدها في العتمة، بل تحفّها عنايةٌ إلهية تصنع من الموت ظاهرياً حياةً حقيقية.
قال تعالى في محكم كتابة:
﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33]
تأمل كيف اقترنت "الحبة" بالإحياء بعد الموت. إن السقوط في التراب هو شرط العبور إلى الحياة الواسعة. البذرة التي تأبى السقوط وتصرّ على البقاء قاسيةً فوق الرفوف، تجفّ وتموت فرادى ، أما التي تجرأت وسقطت واستسلمت للدفن، فهي التي تطعم أمة وتظلل عابراً.
كثيراً ما نمرّ في حياتنا بما يشبه "سقوط البذرة". نسقط من قمة نجاح، أو نُحاط بظلمة خيبة، أو نُعزل في زاوية صامتة من الحياة، فنظن أن العاصفة قد انتهت بنا إلى القاع.
لكن الحقيقة التي تغفل عنها أوراق الخريف: أن سقوطك لم يكن للضياع، بل كان لإعادة الجذر إلى أصل
الظلمة: ليست سجنك، بل هي غرفتك المظلمة لتظهير صورتك الجديدة.
الانشقاق: ليس انكساراً لنفسك، بل هو خروج للنسخة الأقوى منك.
الضغط: ليس ليحقرك، بل ليجبرك على الصعود نحو الضوء.
بعد أسبوع، أو ربما سنين من الصبر الصامت تحت الثرى، ينشقّ سطح الأرض الصّلب. لا يُسمع للحدث صوت، لكن ثورةً خضراء قد بدأت. تخرج شتلة صلبة رأسها، تنظر إلى السماء التي سقطت منها يوماً، ولكنها هذه المرة لا تنظر إليها كقطرة مسكينة، بل كشجرة مستقبلية ستطاول السحاب.
كل محنة في حياتك هي بذرة سقطت، فإما أن تجعل التراب يطمرك للأبد، أو تستخدمه سماداً لترتفع وترمي بأوراقك في وجه الفضاء.
ختامًا
إن سقطت يوماً، أو شعرت أنك في قاع الظلمة.. لا تخف، ولا تحزن. فقط استجمع قواك، واعلم أنك لستَ مدفوناً لتنتهي.. أنت فقط مَغرُوسٌ لتبدأ!



